أرسطو
8
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس
جميع الناس ، وبيّن أن هذا الإقرار العام سببه أن هذه الأفعال تابعة لمبادئ مسلمة عند الجميع ، وتقع على مقتضاها من حيث لا يشعر الفاعل لها في غالب الأحيان . فالبحث عن هذه المبادئ وترتيبها واستبطانها وتبيين كل حقيقتها وكل أهميتها العملية وبيان الواجبات التي توجبها على الانسان بجميع النتائج التي تترتب عليها ، هذا هو موضوع علم الأخلاق . في هذا المقام صدق « كنت » إذ يقول : ان علم الأخلاق لا ينبغي له أن يلتمس شيئا البتّة من تجربة الحياة ، فان الشؤون العملية التي أخذ نفسه بأن يضبط سيرها على مقتضى قواعده لا يمكن أن تؤدّى له مواد متينة يتألف بها قوامه . فإذا قبل في تكوين ذاته عنصرا واحدا عمليا فقد تعرّض إلى خطر أنه يشيد بناء آئلا للسقوط . هذا لا صعوبة في فهمه فان عملا ما لا يعدّ خيرا في نظر علم الأخلاق إلا بالنية ، بقطع النظر عن النتيجة التي يمكن أن تترتب عليه . ومن حيث إن النيات خافية على نظرنا الضعيف - جل اللّه الذي تفرّد بأسرار القلوب - فمن المحال أن نصل إلى أن نثبت على الاطلاق أن عملا واقعا على مسرح الحياة بين ظهراني الناس هو خير في الواقع . ويلوح على « كنت » أنه يذهب بالشك بعيدا إذ يرتاب في أنه قد وجد أبدا عمل خير بكل معنى الكلمة . ولكن ذلك غلوّ في اللاأدرية وغلوّ في بغض الانسانية . بل الواجب هو الوقوف عند حدّ القول بأنه مع التسليم بأن الافعال الفلانية مثلا هي مستكملة شرائط النّقاء ، فإنه لا يستطاع إيضاح ذلك بالدليل ، فإننا مع تصديق شهادة أمثالنا لا يمكننا أن نكون في ضمائرهم . وليس من المحال أن عملا عليه كل ظواهر الفضيلة يكون غاية في الشرّ بما له من الأسباب الخفية القوية التي اقتضته . ومع ذلك ما وجه أن يذهب المرء بالملاحظة إلى هذا البعد متى كانت كل أركان